عبد الجبار الرفاعي
10
معجم المطبوعات العربية في إيران
ولذلك أضحت الكتابة منذ أن اعتمدها الانسان القناة الأساسية لنقل المعرفة وحفظها ، والجسر الذي عبرت منه الحضارات ونتاجاتها نحو الزمن الآتي ، حيث يجري هضمها واستيعاب معطياتها وإعادة تركيبها وتكييفها في ضوء متطلبات الواقع المتجدد . لقد كانت الكتابة رمزا للتفكير ، وشفرة للحضارة ، فالشعوب التي لم تكتشف الكتابة حتى وقت متأخر من حياتها ، انخفض إسهامها في حركة التطور والاكتشاف ، لأن التطور يقوم على التراكم المعرفي ، ولا سبيل لتجميع وحفظ وتراكم المعارف من دون كتابة . من هنا اتفق الباحثون في التاريخ القديم على أن ( ظهور الكتابة هو الحد الذي يعيّن بداية التاريخ ، تلك البداية التي يتراجع عهدها كلما اتسعت معارف الانسان بآثار الأولين ) « 1 » . ويظل الشعب الذي احتضن التجربة الأولى للكتابة ، هو الشعب الشاهد على بداية التاريخ ، والمحقق لأعظم إنجاز عرفته البشرية في وقت مبكر من عصورها التاريخية . ولئن كان أول من ترك لنا تراثا مهما مكتوبا هم السومريين كما يذهب معظم الباحثين في تاريخ ظهور الكتابة أو غيرهم ، فإننا يمكن أن نقول بوضوح بأن أول من كتب هو أول من وعى الحياة وعيا آخر لم يشهده من سبقه ، وبتعبير آخر : ان الوعي الحقيقي بالتاريخ تشكل مع اكتشاف الانسان للكتابة ، بينما كان الإنسان قبل ذلك يعيش انقطاعا عن أمسه ، لكن الكتابة استدعت التاريخ فجعلته حاضرا بين يديه ، ولم يعد الماضي غائبا عن الذاكرة ، وانما صار الزمان بساطا واحدا ممتدا ، بعد ان حوّلت الكتابة ماضيه إلى حاضر .
--> ( 1 ) ديورانت ، ول وايريل . قصة الحضارة . ترجمة : د . زكي نجيب محمود . بيروت : دار الجيل ، 1408 ه - 1988 م ، ج 1 : ص 184 .